سماحة العلامة السيد منير الخباز عنوان المحاضرة: حقوق الإنسان بين فلسفة الحداثة والدين 1 محرم الحرام 1442هـ المحور الثاني: حقوق الإنسان برؤية قرآنية. المسلمون ماذا يقولون في هذا المجال؟ غيرهم تكلّم وبحث وكتب، وصار لكتاباته ودراساته آثار عملية على الأرض، المسلمون ماذا يقولون في هذا المجال، مجال حقوق الإنسان؟ طبعًا هناك اتجاهات بين المفكّرين الإسلاميين: الاتجاه الأول: الاتجاه التقليدي. وهو الذي يقول: لائحة حقوق الإنسان فكر غربي لا قيمة له، لأنه لا يستند إلى مصدر ديني، بل إنّه معادٍ للفكر الديني، خصوصًا في أحكام المرأة وقانون العقوبات، إذن هذه اللائحة لا قيمة لها. الاتجاه الثاني: الاتجاه العلماني. وهو الاتجاه المعاكس تمامًا للاتجاه الأول، هناك مجموعة من المفكرين عاشوا في الغرب وتأثروا بالعلمنة الغربية، وطرحوا أيضًا تصور للحقوق في الفكر الإسلامي، فقالوا: ليست الثقافة الإسلامية ثقافة حقوق، بل هي ثقافة واجبات، الإسلام لم يأتِ بحقوق، بل أتى بواجبات، واجب، حرام، حلال، ليست هناك ثقافة حقوقية في الإسلام، إذن نحن نقتنص الحقوق من اللائحة العالمية لحقوق الإنسان ونعتمد عليها. الاتجاه الثالث: الاتجاه التوفيقي أو المثالي. هذا الاتجاه يحاول أن يوفّق بين الرؤيتين، الرؤية الإسلامية والرؤية الغربية، إذا تقرأ كتاب «الحريات العامة في الدولة الإسلامية» للباحث التونسي راشد الغنّوشي فهو من هذا الاتجاه، هو يقول: أصول حقوق الإنسان جاء بها القرآن، وأما التفاصيل فهي تؤخذ من اللائحة العالمية لحقوق الإنسان، لأنها تتابع المستجدات الحضارية في كلّ جيل بحسبه، فنحن نأخذ الحقوق المستجدة مما يعتمده الفكر الإنساني المتجدد، نعم أصول الحقوق نأخذها من القرآن. مثلًا: هناك بحث قانوني عند علماء القانون، وبما يصل هذا القانون للدولة العربية بعد فترة، هل من حق المرأة ألا تنجب؟ زوجة تقول لزوجها من أول يوم لا أريد الإنجاب! ربما يقول قائل: نعم، من حقّها، إذا رأت الزوجة أنّ الإنجاب يصنع لها ألمًا، ألم الحمل وألم الولادة وما يترتب عليه من بعد الولادة، فمن حقّ الزوجة أن تطالب بأن يكون الإنجاب ضمن الأبواب الأخرى، تخصيب الحويمن المنوي مع البويضة في المختبر ثم وضعها في الحواضن إلى أن ينمو هذا الطفل في الحاضنة، ويخرج من الحاضنة، الأم لا تتعرض إلى حمل ولا إلى ولادة، ساهمت في وجود هذا الطفل بالبويضة، كما ساهم الرجل، يعني فقط الرجل لا يحمل والمرأة تحمل؟! هذا الرجل شغله فقط يعطي الحويمن المنوي، والحمل والولادة والإرضاع والتربية كلها على كاهل هذه المسكينة!! فهذه المرأة المسكينة تقول: كما أنّ دوره ليس سوى حويمن، دور المرأة أيضًا مجرد بويضة، ويتم التخصيب في المختبر ويتم نمو هذا الطفل وولادته عبر الحواضن وانتهت المشكلة! من حقّها ألا تنجب ولا تتحمل أيّ ألم. هذا حقٌّ مستجد قد تفرضه الظروف الحضارية التي تمرّ بالإنسان. الاتجاه الرابع: الاتجاه الفلسفي. الجابري عنده كتاب اسمه «الديمقراطية وحقوق الإنسان في القرآن الكريم»، يقوم بمقارنة فلسفية بين أصول حقوق الإنسان في القرآن وأصول حقوق الإنسان في الرؤية الغربية، ونتيجة هذه المقارنة يقول: هناك ثوابت مشتركة بين الرؤيتين، وإنّما الاختلاف في دخالة الفوارق الحضارية، فمثلًا: قبل 1400 سنة شُرِّعَت أحكام المرأة، شهادتها نصف شهادة الرجل، ترث نصف سهم بينما الرجل يرث سهمًا كاملًا، القوامة للرجل وليست للمرأة، وهكذا. وهذه ليست مجرد فتاوى، بل القرآن نطق بهذه الأحكام، فهل هذه الأحكام تخضع للظرف الحضاري آنذاك؟ فإذا كانت تخضع للظرف الحضاري، إذن هي ليست أحكامًا دائمة، وإذا قلنا الظروف الحضارية مهما تغيّرت فهذه الأحكام تبقى بمقتضى إطلاق الآيات القرآنية، إذن هنا ستفترق الرؤية الغربية عن الرؤية القرآنية، فالفرق بين الرؤيتين لا في القواسم المشتركة، وإنما الفرق بينهما في أنّ الظروف الحضارية هل تؤثر على الحق أم لا أثر لها.