سورة الفلق هي سورة مكية، من المفصل، آياتها 5، وترتيبها في المصحف 113، في الجزء الثلاثين، بدأت بفعل أمر ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ 1)، نزلت بعد سورة الفيل، ويُطلق عليها وعلى سورة الناس اسم المعوذتين. كما تُسمى مع سورة الناس «المشقشقتين» بتقْديم الشينين على الْقافيْن، كقولهم خطيب مُشَقشق، أي مسترسل القول تشبيهًا له بالفَحل الكريم من الإِبل يَهْدِر بشِقْشَقَةٍ وهي كاللحم يبرز من فيه إذا غضب. ورد في سبب نزول سورتي المعوذتين، ما ذكره جلال الدين السيوطي في كتابه لباب النقول في أسباب النزول، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس قال: مرض رسول الله ﷺ مرضًا شديدًا، فأتاه مَلَكان، فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما ترى؟ قال: طُبَّ، قال: وما طُبَّ؟ قال: سُحِرَ، قال: ومَنْ سَحَره؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: أين هو؟ قال: في بئر آل فلان تحت صخرة في رَكِيَّة، فَأْتوا الرَّكِيَّة، فانزحوا ماءها، وارفعوا الصخرة، ثم خذوا الكُدْية وأحرقوها، فلما أصبح رسول الله ﷺ بعث عمار بن ياسر في نفر، فَأَتوا الرَّكِيَّةَ، فإذا ماؤها مثل ماء الحناء، فنزحوا الماء، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الكُدْيَةَ، وأحرقوها، فإذا فيها وتر فيه إحدى عشرة عقدة، وأُنزلت عليه هاتان السورتان، فَجَعل كلما قرأ آية انحلت عقدة: ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ). وفي ذات السبب أخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن أنس بن مالك قال: صنعت اليهود لرسول الله ﷺ شيئًا، فأصابه من ذلك وجع شديد، فدخل عليه أصحابه فظنوا أنه لُمَّ به، فأتاه جبريل بالمعوذتين، فعوذوه بهما، فخرج إلى أصحابه صحيحًا. قال البغوي: «وقيل: كانت مغروزة بالإبر، فأنزل الله عز وجل هاتين السورتين، وهما إحدى عشرة آية: سورة الفلق خمس آيات، وسورة الناس ست آيات، فكلما قرأ آية انحلت عقدة، حتى انحلت العقد كلها، فقام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عِقال، قال: وروي أنه لبث فيه ستة أشهر، واشتد عليه ثلاثة أيام، فنزلت المعوذتان.». ورد العديد من الأحاديث النبوية في فضل سورة الناس، فقد كان النبي يقرأ هاتين المعوذتين إذا آوى إلى فراشه وينفث يديه ويمسح بهما ما أقبل وأدبر من بدنه، ويأمر بقراءتهما دبر كل صلاة، كما حث النبي على قراءتهما ثلاثًا في الصباح والمساء مع سورة الإخلاص وأن قراءتهم تكفي المرء من كل شيء. ومن الأحاديث التي وردت في فضلها: عَنْ عائشة بنت أبي بكر: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فقد استحب العلماء قراءة الإخلاص والفلق والناس بعد صلاتي الفجر والمغرب ثلاث مرات، فهما صلاتان الصباح والمساء، وأما بعد باقي الصلوات فمرة واحدة دبر كل صلاة. وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: «ورد قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين دبر كل صلاة، لما رواه أبو داود في سننه عن عقبة بن عامر قال: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة)، وفي رواية الترمذي: (بالمعوذتين) بدل المعوذات. فينبغي أن يقرأ: (قل هو الله أحد)، و(قل أعوذ برب الفلق)، و(قل أعوذ برب الناس) دبر كل صلاة، وأن تكرر عقب صلاة الفجر والمغرب ثلاث مرات، يقرأها كل إنسان وحده بقدر ما يسمع نفسه.». وقيل بأن تكرارها ثلاث مرات فهو في الصباح والمساء، فأما دبر صلاتي الفجر والمغرب فواحدة مثل باقي الصلوات. محتوى السورة هو أمر الله للنبي محمد بأن يتعوذ بالله ربه من شر ما يتقى شره من المخلوقات الشريرة، والأوقات التي يكثر فيها حدوث الشر، والأحوال التي يستر أفعال الشر من ورائها؛ لئلا يرمى فاعلوها بتبعاتها، فعلَّم الله النبي هذه المعوذة ليتعوذ بها. وقد جاء ترتيب سورة الفلق في المصحف السورة قبل الأخيرة في المصحف، وجاءت بعدها سورة الناس، يقول في ذلك جلال الدين السيوطي: «قدمت الفلق على الناس وإن كانت أقصر منها لمناسبة مقطعها في الوزن لفواصل الإخلاص مع مقطع تبت.» وعلَّق فخر الدين الرازي على مناسبة السورة بما قبلها من السور فقال: «بدأ بذكر صفات الله، وشرح جلاله في سورة «الإخلاص»، ثم أتبعه بذكر مراتب مخلوقاته في «الفلق»، ثم ختم بذكر مراتب النفس الإنسانية في «الناس»، وعند ذلك ختم الكتاب.» ثم فصّل ذلك بعد تفصيله سورة الفلق فقال: سورة الفلق لما شرح الله سبحانه أمر الإلهية في سورة "الإخلاص"، ذكر هاتين السورتين عقبها في شرح مراتب الخلق على ما قال: ألا له الخلق والأمر. فعالم الأمر كله خيرات محضة، بريئة عن الشرور والآفات، وأما عالم الخلق فهو الأجسام الكثيفة، والجثمانيات، فلا جرم قال في المطلع: قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق. ثم من الظاهر أن الأجسام إما أثيرية أو عنصرية، والأجسام كلها خيرات محضة; لأنها بريئة عن الاختلال والفطور، على ما قال: ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور". وإما عنصرية، فهي إما جمادات، فهي خالية عن جميع القوى النفسانية، فالظلمات فيها خالصة، والأنوار عنها زائلة، وهو المراد من قوله: ومن شر غاسق إذا وقب. وإما نبات، والقوة العادلة هي التي تزيد في الطول والعمق معا، فهذه القوة النباتية كأنها تنفث في العقد. وإما حيوان، وهو محل القوى التي تمنع الروح الإنسانية عن الانصباب إلى عالم الغيب، والاشتغال بقدس جلال الله، وهو المراد بقوله: ومن شر حاسد إذا حسد. ثم إنه لم يبق من السفليات بعد هذه المرتبة سوى النفس الإنسانية، وهى المستعيذة، فلا يكون مستعاذا منها فلا جرم قطع هذه السورة، وذكر بعدها في سورة "الناس" مراتب ودرجات النفس الإنسانية. #قرآن #آيات #رمضان #مسلم #ترجمة